للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره كمن هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها؟ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلُوا للَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

قال (ك): يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: قارة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا (١) ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا، ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء﴾ [غافر: ٦٤].

[وقوله] (٢): ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة [شقها] (٣) في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم، حيث ذرأهم في أرجاء الأرض ويسير إليهم (٤) أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه.

﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِي﴾ أي: جبالًا شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزًا، أي مانعًا يمنعها من الاختلاط لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو، هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والمقصود منها أن تكون عذبة زلالًا، يسقي (٥) الحيوان والنبات (٦) منها، والبحار المالحة (٧) المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب (٨)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ


(١) من مطبوع «تفسير ابن كثير»، وسقطت من الأصل.
(٢) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تشقها».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «سير إليهم».
(٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تسقي».
(٦) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «والثمار».
(٧) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «هي».
(٨) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحًا أجاجًا؛ لئلا يفسد الهواء بريحها».

<<  <  ج: ص:  >  >>