للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي: منظر حسن وشكل بهي ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها (١) وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بذلك المنفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو [المنفرد] (٢) بالخلق والرزق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الله يعبد؟ وقد تبين لكم ولكل ذي لب ممن يعترفون (٣) به أيضًا أنه الخالق الرازق، ومن المفسرين من يقول معنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (٤) فعل هذا وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثم أحد فعل هذا معه، بل هو المتفرد به، فيقال: كيف تعبدون معه غيره، وهو المستقل المتفرد بالخلق والرزق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] الآية.

وقوله تعالى ههنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿أَمَّنْ﴾ (٥) في هذه الآيات كلها تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق، وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك، وقد قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال في الآية الأخرى (٦): ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يجعلون لله عدلًا ونظيرًا، وهكذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] أي: أمن هو هكذا كمن ليس كذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقال


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «شجرها».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «المتفرد».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يعرفون».
(٤) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أي: أإله مع الله».
(٥) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أمن».
(٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «آخر الآية».

<<  <  ج: ص:  >  >>