قَدَّرْتُمُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ حِينَ أَشْرَكْتُمْ بِهِ؟ ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي: نظر إلى السماء مفكرًا في حيلة يحتال بها على عدم الخروج معهم إلى العيد؛ ليخلو بأصنامهم ويكسرها في غيبتهم، فرأى أن يقول لهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مريض، ليفهموا أنه لا يستطيع الخروج معهم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي: تركوه وانطلقوا إلى عيدهم، ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: مال إلى الأصنام يضربها ضربًا بيده اليمنى، حتى كسرها كلها إلا الصنم الكبير وقد تقدم في (سورة الأنبياء) أنهم لما رجعوا ووجدوا أصنامهم مكسرة، سألوا عن من كسرها، فأخبرهم إبراهيم أن كبير الأصنام هو الذي كسر رفقاءه، وقال لهم: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] إلى آخر ما تقدم، وفي هذه السورة، أخبرنا الله تعالى أن إبراهيم ﵇ قال للأصنام لما رأى الطعام موضوعًا عندها وضعه عبّادها لتجعل لهم فيه البركة ثم يأكلوه بعد ذلك: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟ قال ذلك استهزاء بهم، وبمن يعبدونهم، فإن من أعظم الجهل أن يعبد الإنسان جمادًا لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، وبعدما كسرهم أقبل عبادهم ﴿يَزِفُّونَ﴾، يهرعون، فقال لهم إبراهيم ﵇ منكرًا ومشنّعًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ الأصنام المنحوتة، فكيف تتخذونها آلهة، أين ذهبت عقولكم؟
قال (ك): فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر، فـ ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته، ونصرها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (١).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: تقدم في (الباب الثالث) من (سورة الأنبياء) حديث أن إبراهيم، لم يكذب إلا ثلاثًا (٢) … . فراجعه هناك. والمشركون في كل زمان ومكان متشابهون؛ فإن مشركي هذا الزمان يبنون بأيديهم قبابًا ينسبونها إلى الصالحين، ويعبدونها بالذبح والنذر والتمسح، فيجيء السيل العظيم، فيجرف
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٣٦). (٢) مضى الحديث بطوله مع تخريجه في (ص ٦٤ - ٦٥).