للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] وهكذا قال ههنا: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ثم قال ﷿ ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المشركين، ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به لما انقادوا لذلك بسوء (١) قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله، قال الله تعالى: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب، كما فصله ] في قصصهم ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: كيف بادوا وهلكوا وكيف نجى الله المؤمنين» (٢).

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ «يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها، أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي «لا إله إلا الله أي: جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم : ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها» (٣).

قال محمد تقي الدين: فائدة: شرح الحافظ (ك) بأن عبادة أولئك المشركين للملائكة كانت بواسطة تماثيل جعلوها لهم وسموها بأسمائهم، كما يفعل عباد القبور حين يشيدون القباب، ويصنعون التوابيت على القبور، ويجعلون للتابوت كسوة كالكعبة، ويعلقون المصابيح والثريات، ويزخرفون الوثن بأنواع الزخرفة، ويحكون للناس حكايات يختلقونها، مضمنها أن ذلك الوثن جاءه ناس قد عميت أبصارهم فرجعوا يبصرون، وجاءه ناس قد استولى شلل على أجسادهم فرجعوا يمشون، وجاءه ناس مجانين فرجعت إليهم عقولهم، وبهذه الحكايات ينشرون الشرك في الناس، قاتلهم الله.

فائدة ثانية: احتج المشركون بالقدر في قديم الزمان وحديثه، وقد ذكر الله


(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «لسوء»!
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٣٠٩) ..

<<  <  ج: ص:  >  >>