للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رُزِقهما فقد فاز وغنم، ومن حُرِمهما فالخير كله حُرِم.

وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البر من الفاجر، والتقي من الغوي والظالم من المظلوم، ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها على أحكام أفعال العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عضمته وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].

ولما كان التلقي عنه على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة، وكان (١) بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد فلا طمع (٢) لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق. ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟! وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟!

تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زلالًا، وأيدوا (٣) قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا، فتحوا القلوب بعدلهم وبالقرآن والإيمان، والقُرَى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه عن نبيهم عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم؛ فَجَرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم.

ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وكانوا بالنسبة إلى مَنْ قَبْلَهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤].


(١) بعدها في مطبوع «الإعلام»: «التلقي».
(٢) في مطبوع «الإعلام»: «مطمع».
(٣) في مطبوع «الإعلام»: «وأطدّوا».

<<  <  ج: ص:  >  >>