وقوله سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى﴾ الخطاب هنا لآدم وحواء باعتبار ذريتهما؛ لأن إبليس قد علم الله أنه لا يتبع الهدى. وقد نفى الله الخوف والحزن عن كل من اتبع الكتاب والسنة في آيات البقرة، ونفى الشقاء والضلال عنهم في سورة طه، ويفهم من ذلك أن من لم يتبع الهدى بل أعرض عن الكتاب والسنة لتقليد مذهب أو شيخ طريقة أو رجال حزب أو تعصبًا، وهذا هو الواقع، وقد أكد ذلك سبحانه بقوله في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]. قال صاحب «القاموس»(١): «الضَّنْك: الضيق في كل شيء للذكر والأنثى، ضَنُكَ كَكَرُمَ ضَنْكًا وضَناكة وضُنوكة: ضاق، و - فلان ضناكة فهو ضنيك ضَعُف في رَأيِهِ وجِسْمه وَنَفْسِهِ وَعَقْلِهِ».
قال محمد تقي الدين: فكل من أعرض عن ذكر الله وهو كلامه مع بيان رسوله الكريم ﷺ يعيش في ضنك وضيق في رأيه وجسمه ونفسه وعقله أو في بعضها، وهو الرأي والعقل والنفس وإن قوى الجسم فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] فيه وعيد شديد لمن لم يتبع كتاب الله وسنة رسوله وتسميته مكذبًا؛ لأن من صدق الرسول لا بد أن يتبع ما جاء به. يزيد ذلك وضوحًا قوله تعالى في توبيخ اليهود في هذه السورة رقم (٢)(٢): ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] فسماهم مكذبين بترك العمل. وسيأتي توضيح ذلك قريبًا إن شاء الله. اهـ.
الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]
قال ابن كثير: «يقول تعالى ناهيًا اليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق