عقابهما، فرفعوا أمرهما إلى النبي محمد ﷺ ليمتحنوه من جهة وليفصل النزاع من جهة أخرى، وقبل أن يحكم في هذه القضية سألهم:«ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخم وجوههما ونطوف بهما ليفتضح أمرهما وحسبهما ذلك عقابا. فقال لهم النبي ﷺ: كذبتم! عقابهما في كتابكم الرجم بالحجارة حتى يموتا». فقالوا: هذا لا يوجد في كتابنا. فأمرهم بإخراج التوراة وقراءتها فأتوا بها وجعل أحد علمائهم يقرأها، وعبد الله بن سلام ﷺ حاضر وقد وضع اليهودي يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فافتضح أمرهم فأمر النبي ﷺ برجمهما، فرجما حتى ماتا.
وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام ﷺ برهان قاطع على أن الذي يعلم محمدا ﷺ بما في كتب اليهود هو الله وحده لا شريك له، فإن عبد الله بن سلام كان أعلم اليهود في المدينة وكان أبوه كذلك، فلم يزل ينقب في التوراة ويختار أصعب المسائل فيلقيها على النبي ﷺ فينزل عليه الوحي ويجيبه عنها حتى أيقن أن أمر محمد صلوات الله وسلامه عليه رباني لا حيلة فيه فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإني أريد أن تسألهم عني قبل أن يطلعوا على إسلامي؛ فخبأه النبي ﷺ ثم دعا رؤساء اليهود وعلماءهم، وقال لهم:«ما تقولون في عبد الله بن سلام؟». فقالوا كلهم: سيدنا وابن سيدنا، واعلمنا وابن أعلمنا فقال:«أرأيتم لو أسلم»؟ يعني: أتسلمون، فقالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فقال رسول الله:«يا عبد الله اخرج». فخرج من مخبئه، وقال:«أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». فقالوا: أجهلنا وابن أجهلنا، وأرذلنا وابن أرذلنا (١). فتناقضوا في الحين، وكذبوا أنفسهم تعصبا منهم للباطل.
[فصل]
إذا؛ علم أن من اتبع رضوان الله لا بد أن يتبع النور والكتاب المبين، ولا
(١) أخرجه البخاري (٣٣٢٩، ٣٩٣٨، ٤٤٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ رقم ٨٢٥٤)، وابن أبي شيبة (١٣/ ١٢٥)، وعبد بن حميد (١٣٨٩)، والطيالسي (٢٠٥٠، ٢٠٥١)، وابن أبي عاصم في «الأوائل» (١٩٣)، وأبو يعلى (٣٤١٤، ٣٨٥٦، ٣٧٤٢، ٣٧٨٢)، وأحمد (٣/ ١٠٨، ٢٧٢)، وابن حبان (١٠/ ٤٠٨ - ٤٠٩ - «التعليقات الحسان» أو رقم ٧١٦١، ط. الرسالة).