للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الباب الثالث]

الآية (١٥٩) ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾

تفسير هذه الآية من كتاب «الإلهام» (١) ونصه:

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ إلخ أي تفرقوا فيه شيعًا أي فرقًا ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريء منهم براءة تامة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: حسابهم وعقابهم إلى الله موكول، وهو الذي يخبرهم بما كانوا يفعلون ويعاقبهم عليه، ولهذه الآية نظائر في الكتاب العزيز منها قوله تعالى في سورة الشورى رقم (١٣): ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. فأخبر أن ما شرعه لأمة محمد من الدين هو عين ما شرعه للأمم السابقة بواسطة رسلهم، فتوحيد الله واحد، وتصديق جميع الرسل واحد، وإقامة العدل والإحسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصر المظلوم، والتعاون على البر، والجهاد في سبيل الله، والرحمة لخلق الله، فهذه الأصول لا يختلف فيها دين أي رسول مع دين غيره من الرسل.

ومن توحيد الله جعل الحكم له وحده لا يشاركه فيه أحد من خلقه، والإيمان بالله ورسله يستلزم أنهم وحدهم المتوسطون بين الله وعباده في تبليغ الأحكام، فلا شارع إلا الله ولا مبلغ إلا رسل الله، وكذلك المجتهد لا يدعي أنه حكم بين الخصمين بما أنزل الله، بل يقول كما قال عبد الله بن مسعود: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه» (٢).

أما تقليد غير المعصوم والاستغناء بما نقل عنه من الأقاويل عن كتاب الله والاعتماد في الحكم والإفتاء على ذلك ونسبة ذلك إلى الله ورسوله، فهو افتراء على الله وصد عن سبيله وتبديل لدينه، فنعوذ بالله من الخذلان، وهنا يحسن أن أنقل من كلام الأئمة في رد التقليد والتمذهب والتعصب ما يكون قرة عين لطالب الحق وسخنة عين للمبتدعين، الذين فرقوا دين الله وصدوا عن سبيل الله، وقبل


(١) (ص ١٤٤ - ١٤٩).
(٢) مضى تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>