الأئمة وهو معصوم من الخطأ أحجم عن الحكم برأيه احترامًا للنص القرآني، عملًا بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] فإذا وجب على النبي ﷺ أن يدع رأيه لكتاب الله، فكيف لا يجب على غيره من الناس - وهم ليسوا بأنبياء معصومين - ترك رأيهم إذا خالف نص الكتاب والسنة (١)؟ هذا بيان ما قصده الأئمة من الاستدلال بهذا الحديث.
ثم قال الفلاني ﵀:«وقال الشافعي في «الرسالة» التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسله عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأله عن وليدة من ولائد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان وأما النطفة فلفلان، فقال: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش» (٢).
قال محمد تقي الدين وجه الاحتجاج بهذا الخبر على (٣) من يفتي ويقضي بالتقليد أن عمر بن الخطاب صدق الرجل في شهادته بأن النطفة لفلان، يعني: الزاني بتلك الأمة، والفراش لفلان يعني: الذي كان يملك تلك الأمة، ومع ذلك حكم بأن الولد للفراش؛ عملًا بقول النبي ﷺ:«الولد للفراش وللعاهر الحجر»(٤) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
فحكم بنص الحديث وترك الرأي جانبًا.
ثم قال الفلاني: قال الشافعي (٥): وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب،
(١) في مطبوع «الإلهام» (ص ١٤٦): «أو السنة». (٢) هو في «مسند الشافعي» (٢/ ٣٠) ورواه من طريقه: البيهقي (٧/ ٤٠٢)، وفي «المعرفة» (٧/ ٢٣٨) رقم (٢٢٩٠) ورواه بنحوه ابن ماجه (٢٠٠٥)، والحميدي (٢٤)، ومسدد والأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ١٥٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٠٤)، وابن أبي عمر في «مسنده» - كما في «مصباح الزجاجة» (١/ ٣٤٩) - وقال البوصيري: «إسناده صحيح، رجاله ثقات وهو كما قال، وما سبق من إيقاظ همم أولي الأبصار» (ص ٦). (٣) سقطت من «الإلهام». (٤) أخرجه البخاري (٢٠٥٣، ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢)، ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة. (٥) هو في «مسند الشافعي» (٢/ ١٤٤)، و «الرسالة» (ص ٤٤٨) رقم (١٢٣٢) ومن طريقه البيهقي (٥/ ٣٢١)، وانظر تعليق الشيخ العلامة أحمد شاكر على «الرسالة».