للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تعلمه ولم يعمل به، أو عمل بما يوافق هواه ومذهبه أو طريقته أو حزبه ورفض العمل بما يخالف ذلك؟ فإنه بلا شك يضاعف له العذاب ضعفين، والنبي لم يركن إلى الكفار لأنه معصوم من ذلك، فالمعنى بهاتين الآيتين غيره من أمته، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء على الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وكان منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلًا، فذلك مثل من نفعه الله بما جئت به، فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١). رواه البخاري. فالمتمذهبون المتعصبون وأصحاب الطرائق القدد لم ينفعهم الله بما جاء به النبي ، فما رفعوا به رأسًا ولا قبلوا هدى الله الذي أرسل به، فكانوا من الأخسرين أعمالًا ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]. ولما كنت في الهند للمرة الأولى سنة اثنين وأربعين وثلاث مائة وألف وكنت ضيفًا عند السيد سليمان الندوي في دار المصنفين بمدينة (أعظم كر)، جاءني رجلان مدرسان في المدرسة الحنفية، وأخذا يجادلانني ويدافعان عن المذهب الحنفي فيما خالف فيه السنة من صلاة المغرب إلى أذان العشاء، فقالا لي: إن ما تقول هو الحق ولكن لو أننا أخذنا به واطلع على ذلك أهل المدرسة لعزلونا وكل واحد منا له زوجة وأولاد، وليس لنا ما نعيش به إلا ما نأخذه من التعليم في هذه المدرسة. فقلت لهما: فهلا اعترفتما بهذا في أول المعركة، وكفيتماني مؤونة هذا الجدال الطويل الذي أرهقني عسرًا؟ ووقع مثل ذلك هنا في مكناس مع فقيه مشهور اسمه عبد الرحمن الهواري، فإنه جادلني ساعتين، ثم قال لي: إن ما تقول هو الحق، ولكني لا أعمل به؛ لأنني عدل أكتب الشهادات، ولو اطلع الناس على أني أعتقد هذا وأدعو إليه لتعطل شغلي. فنعوذ بالله من الخذلان استيلاء الشيطان على قلب الإنسان.


(١) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) من حديث أبي موسى.

<<  <  ج: ص:  >  >>