للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقوله: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي: غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك: ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي: لو فعلت ما أرادوا؛ لاتخذوك خليلًا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم، وراض بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ أي: على الحق بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تميل إليهم ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ عبارة عن المصدر، أي: ركونًا قليلًا. وعن قتادة: لما نزلت هذه الآية، قال النبي : «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (١). ثم توعده في ذلك أشد التوعد، فقال:

﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله، ودل على إضمار العذاب وصف العذاب بالضعف في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١] وقال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] والسبب في تضعيف العذاب أن أقسام نعم الله على الأنبياء أكثر، فكانت ذنوبهم أعظم، فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] (٢).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: المقصود بإيراد هاتين الآيتين أنه إذا كان النبي وهو أفضل خلق الله لو ترك الوحي لضوعف له العذاب في الدنيا والآخرة، فكيف بغيره من آحاد الأمة إذا أعرض عن الوحي فلم يتعلمه ولا عمل به، أو


(١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٧٠)، والبزار (٣١٠٧ - «كشف الأستار»)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٤٦٦ - «المنتقى»)، والحاكم (١/ ٥٤٥)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (٤٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» رقم (٢١٣)، والضياء المقدسي في «المختارة» (٦/ رقم ٢٣١٩ - ٢٣٢٢) من حديث أنس. وإسناده حسن، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٣٨٥) وشيخنا الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٢٧)، وعزاه ابن حجر لابن أبي الدنيا في «الذكر» والمعمري في «عمل اليوم والليلة».
(٢) انظر: تفسير القاسمي (١٠/ ٢٥٤ - ٢٥٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>