للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الباب الرابع]

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩].

قال القنوجي في «فتح البيان»: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ أَي: بينا أو كررنا ضروب القول فيه من الأمثال والعبر والحكم والحجج والمواعظ والقصص والأخبار والأوامر والنواهي وغيرها، وقيل: ﴿فِي﴾ زائدة (١)، والتقدير:


(١) الراجح أنه لا يوجد في القرآن شيء زائد وكل ما قيل فيه هذا فله أسرار بلاغية، ولذا سأنقل هذه الأسرار من كتاب الدكتورة هيفاء عثمان فدا: زيادة المحروف بين التأييد والمنع وأسرارها البلاغية في القرآن الكريم (ص ٧٠٦ - ٧٠٨) مع تصرف يسير، يستدعيه المقام:
«الآية تعقيب ورد وبيان لجهل وضلال من افترى على الله الكذب بادعاء أنَّ الله تعالى اتخذ من الملائكة إناثًا؛ إذ تبيّن أنّ القرآن الكريم يشتمل على الهدى الكافي، والدلائل البيئة، والآيات القوية التي صرفها تعالى ليتدبروا فيها ويتذكروا بها، ولكنهم ما يزدادون إلا إعراضًا ونفورًا.
ومجمل أراء العلماء في حرف الظرف «في» على النحو التالي: ١ - أنه أصلي: إما على حذف المفعول، وتقديره: العبر والآيات والحجج. وأشار إليه الطبري (٩/ ١٥) والزمخشري (٢/ ٣٦٢) وغيرهما.
وإما على تنزيل الفعل الخاص منزلة الفعل العام بتنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم وتعديته بـ «في»، أي: أوقعنا التصريف فيه، كما ذكر الزمخشري (٢/ ٣٦٢)، والشهاب في حاشيته على البيضاوي (٦/ ٣٥).
٢ - أنه زائد، وقد نقله ابن عطية في المحرر الوجيز (١٠/ ٢٩٨) عن بعض من شدد الراء، ثم ضعفه، وعلل أبو حيان في «البحر المحيط» (٦/ ٣٩) هذا التضعيف بأن «في» لا تزاد.
ونقول: إن الفعل (صَرَّف) تكرر في القرآن الكريم ١٠ مرات، عُدي في أربع منها بحرف الجر «في» مع عدم نصب المفعول، وما عدا ذلك تخلف حرف الجر مقابل ذكر المفعول منصوبًا، في توازن عجيب ودقيق على نحو لا يتأتى إلا في كلام الحق . وأصل التصريف فيما ألمح إليه الرازي في: «تفسيره» (٢٠/ ٢١٦) «عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة نحو تصريف الرياح وتصريف الأمور. هذا هو الأصل في اللغة. ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين؛ لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر، ومن مثال إلى مثال آخر، ليكمل الإيضاح ويقوي البيان». والواقع أن للفعل (صرف) هنا مذاقًا خاصًا: فهو بدلالته يشير إلى ضروب شتى وطرق متنوعة سلكها القرآن الكريم لتمكين الهداية والعقيدة في القلوب، خاصة إذا علمنا أن

<<  <  ج: ص:  >  >>