للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولقد صرفنا هذا القرآن، والتصريف في الأصل: صرف الشيء من جهة إلى جهة والتشديد فيه؛ للتكثير والتكرير. وقيل: معنى التصريف المغايرة؛ أي: غايرنا بين المواعظ، قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ فسره بعضهم بالجحود» (١).

[فصل]

قال محمد تقي الدين والمراد أن أكثر الناس أعرضوا عن القرآن، ولم ينتفعوا بما فيه من الحجج والمواعظ والأمثال، فبعضهم كفر به وبعضهم ادعى الإيمان به، ولكنه لم ينتفع به للطبع الذي في قلبه وللشبهات التي تعرض له. ومن الموانع التي تمنع من الاهتداء به: التعصب للمذاهب والطرائق والأوطان والأحزاب، ومن شرح الله صدره للإسلام وكان على نور من ربه لم يمنعه شيء من ذلك، ولم يبال بمن خالفه وصمم على اتباعه، ولو بقي وحده ولم يستوحش من قلة الأنصار، وكثرة المحاربين، ففاز بالسعادة الكبرى، فعليك بهذا القرآن وبالسنة التي تبينه، وهي مفتاحه؛ تظفر بخير الدنيا والآخرة.


هذه السورة - وهي مكية - تدور معظم آياتها حول العقيدة. وهو بحذف مفعوله وإبهامه يشير إلى أنواع تصاريف الكلام من الخبر والعبر وضرب المثل، والأوامر والنواهي والمواعظ والإرشادات على رأي الأسكافي في «درة التنزيل» (٢٧٤) وهو ببنائه على التشديد يشير إلى التكثير والتكرير على ما ذكر الخازن في «لباب التأويل» (٣/ ١٦٥) وعليه: فهذا الفعل يُدل به على إعجاز الآيات وقوتها على أنحاء مختلفة وهو دال على قهر القرآن وإعجازه واقتداره حينما يواجه المسار ويوضح جانب الحق؛ لأنه يرد على كفار العرب الذين وهبوا من أساليب البيان وطرق الفصاحة ما تفوقوا به على غيرهم. أما حرف الجر في فهو على أصل معناه الظرفية من حيث إن هذا القرآن وعاء، وأنه قد اشتمل على ضروب الآيات والعظات، وأنها متمكنة فيه غاية التمكن».
(١) في فتح «البيان» (٤/ ١٧٣) بنحوه، وانظر: «فتح القدير» (٣/ ٣٥٧) للشوكاني.

<<  <  ج: ص:  >  >>