كثير، فخالف المقلدون ذلك، وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ، مع أن كثيرًا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالًا لهم منصوصًا عليها، وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم، ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول ﷺ ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي لا ينطق عن الهوى»؟
قوله:«لعله» أي: لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله ﷺ، قوله: «إذا رد بعض (١) قول النبي ﷺ»، قوله:«أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك»، هذا تنبيه على أن رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة، فإذا كانت إساءة الأدب معه في الخطاب سببًا لحبوط الأعمال كما قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] فما ظنك برد أحكامه وسنته، لقول أحد من الناس كائنًا من كان؟ قال شيخ الإسلام:«فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر والشرك ومن العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيًا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو بما يقترن به من استخفاف بحق الأمر كما فعل إبليس لعنه الله. فإذا علمت أن المخالفة عن أمره ﷺ، سبب للفتنة، التي هي الشرك والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، علمت أن من ردّ قوله وخالف أمره لقول أبي حنيفة، أو مالك أو غيرهما: لهم النصيب الكامل، والحظ الوافر من هذه الآية، وهذا الوعيد على مخالفة أمره ﷺ، وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء، على أن أصل الأمر للوجوب حتى يقوم دليل على استحبابه، قال عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١] فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه». فقلت: بلى قال: «فتلك عبادتهم»(٢) رواه أحمد والترمذي وحسنه.
(١) بعدها في مطبوع «التيسير»: «قوله أي». (٢) سبق تخريجه.