للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يتمحض بينهم من النظر عند فقد الدليل، وكذلك تابعوهم أيضًا يرجعون إلى الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا نظروا إلى ما أجمع عليه الصحابة، فإن لم يجدوا اجتهدوا واختار بعضهم قول صحابي فرآه الأقوى في دين الله تعالى.

ثم كان القرن الثالث وفيه كان الأئمة الأربعة، فإن مالكًا توفي سنة تسع وسبعين ومائة. وتوفي أبو حنيفة سنة [خمسين] (١) ومائة وفي هذه السنة ولد الشافعي، وولد ابن حنبل سنة أربع وستين ومائة، فكانوا على منهاج من مضى لم يكن في عصرهم مذهب رجل (٢) معين يتدارسونه، وعلى قريب منهم كان أتباعهم فكم من قولة لمالك ونظائره (٣) خالفه فيها أصحابه؟ ولو نقلنا ذلك لخرجنا عن مقصود هذا الكتاب، وما ذلك إلا لجمعهم آلات الاجتهاد وقدرتهم على ضروب الاستنباطات، ولقد صدق الله نبيه في قوله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (٤). [ثم القرن عند المحققين أربعون سنة] (٥). ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (٦)، والحديث في «صحيح البخاري».

فالعجب لأهل التقليد: كيف يقولون: «هذا هو الأمر القديم» و «عليه أدركنا الشيوخ» وهو إنما حدث بعد مائتي سنة بعد الهجرة، وبعد فناء القرون الذين أثنى عليهم الرسول ، ولو قلت لأحدهم: مالك مذهبه مذهب من؟ لم يُجب بجواب. وحكى أهل التاريخ أن الذي أشاع مذهب مالك بالأندلس إنما هو عيسى بن دينار، وإنما كان يعمل فيه بمذهب الأوزاعي ومكحول، فكيف يدعون أنه هو الأمر القديم عندهم؟.

ولما أرغم بعض أهل التقليد [على] (٧) الحجة واستبانت له المحجة، قال: نحن لا ننكر أن أصول الفتوى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولكن من [يفي] (٨) بشرطية النظر ويستقل بأعبائه؟ فنقول لهم: نحن نقطع أنه ما من باب من أبواب العلم كان يسلك في عصر مالك إلا وهو مفتوح إلى الآن لمن شاء أن


(١) هذا هو الصواب، وكذا في مطبوع «الصوارم»، وفي الأصل: «خمس»!!
(٢) من مطبوع «الصوارم»، وسقط من الأصل.
(٣) في مطبوع «الصوارم»: «ونظرائه».
(٤) سبق تخريجه.
(٥) غير موجود في مطبوع «الصوارم»، ولعله من كلام المصنف .
(٦) فصلنا ذلك في التعليق على (٣/ ١١).
(٧) غير موجود في مطبوع «الصوارم».
(٨) كذا في مطبوع «الصوارم»، وفي الأصل: «يفتي».

<<  <  ج: ص:  >  >>