محمدا ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به إلى الكتابيين من الصليبيين (١) والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ﴾، أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة [البالغة](٢) والحجة الدامغة (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ (٤).
قال محمد تقي الدين: في هذه الباب فوائد، الأولى: إن الله وملائكته وأهل العلم بالله من جميع الأديان التي شرعها الله، وهي في الحقيقة دين واحد وهو الإسلام، يشهدون أن لا معبود بحق إلا الله، وكل من عبد من دونه - ولو كان نبيا، ولو كان ملكا، ولو كان شهيدا، ولو كان صديقا - فعبادته باطلة، ومن عبده فهو من أهل النار خالدا فيها أبدا، إن لم يتب قبل موته.
الفائدة الثانية: إن الله ﷾ كرر قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، مرتين في موضع واحد للتوكيد.
الفائدة الثالثة: قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ المراد بالإسلام هنا توحيد الله تعالى بالقلب والجوارح، وتوجيه الوجه له لا شريك له، والإسلام هنا يشمل الإيمان بالقلب واللسان والعمل.
الفائدة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ﴾ يعني بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، وبالأميين: المشركين، أأسلمتم؟ أي: وحدتم الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، واتباع من بعث إليكم من رسله، فإن أسلموا، أي: وحدوا الله تعالى على هذه الصفة، فقد اهتدوا إلى الحق، وإن أعرضوا عن هذا الإسلام، فحسابهم وعقابهم على الله، وليس عليك يا محمد إلا البلاغ، والله بصير بالعباد أي: عليم بأحوالهم، وسيجزيهم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «الملتين». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «في ذلك». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «البالغة». (٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٦ - ٣٧).