أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها ولا (١) تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء. إنما يرجى (٢) ذلك من الذي يعلم كل شيء، وهو خالق كل شيء، ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك كما أخبرنا عنهم متعجبين من ذلك، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وقوله: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠](٣).
[فصل]
قال محمد تقي الدين: أخبر الله ﷾ أنه يعلم كل شيء سرا كان أو جهرا، وهذه صفة خاصة به، فمن لمن تكن فيه هذه الصفة لا يستحق العبادة، وأخبر أن المشركين يعبدون من لا يستحق العبادة من المخلوقين، فيعبدون تماثيل الأنبياء والصالحين وقبابهم وقبورهم والأماكن التي جلسوا فيها، وهذه من الجماد الذي لا يحس، فكيف يسمع أو يبصر؟! فكيف يعلم السر والجهر؟! ويعبدون أرواح الصالحين، وهي لا تسمعهم ولا تبصرهم، ولو سمعتهم ما قدرت أن تنفعهم بشيء، كما قال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ معناه: معبودكم الذي يستحق العبادة وينفع ويضر ويحيى ويميت، هو الله وحده.
(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فلا». (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «يرتجى». (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٣٠٢ - ٣٠٣).