دين عبد المطلب، مات كافرًا (١) كما في «الصحيح» أيضًا، فالجواب: إن هذين الرجلين اللذين كانا في زمانين مختلفين يعلمان يقينًا أن ملة إبراهيم تتنافى مع عبادة الأصنام، بدليل قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] وقد تكرر هذا في القرآن في مواضع كثيرة أن المشركين من العرب كانوا يوحدون الله تعالى في الشدة ويشركون في الرخاء، ولا سبيل لهم إلى معرفة التوحيد إلا ما بلغهم من شريعة إبراهيم وإسماعيل وهو حجة عليهم.
الثانية: قول (ك): «فمشيئة الله تعالى الشرعية عنهم منتفية» المشيئة الشرعية، معناها: كل ما شرعه الله تعالى لعباده بواسطة رسله فقد أراده وأحبه ورضيه، وأما الإرادة الكونية القدرية: فإنها تشمل الكفر والإيمان والمعصية والطاعة (٢)، فإن الله شاء للكفار والعصاة ما اختاروه لأنفسهم، ولم يشأ أن يجبرهم على الإيمان والطاعة، بل استدرجهم بإبقاء نعمه من الجاه والمال والصحة والعافية وسائر ما أعطاهم الله من النعم، فلم يشكروها، بل زادتهم طغيانًا ولم يرض الكفر والمعصية، قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقد اقتضت حكمته البالغة أن يجزي المؤمنين المطيعين جزاء حسنًا في الدنيا والآخرة، وأن يجزي الكافرين والعصاة عذابًا في الدنيا والآخرة.
الثالثة: قول (ك): «نكر (٣) عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل»، معناه أن الله تعالى أنكر عليهم الكفر والمعاصي، بطريقين: الطريق الأول: بواسطة رسله وما جاؤوا به من الشرائع. والثاني: إنه جعل عاقبتهم الهلاك في الدنيا بعد الإمهال، كما فعل بعاد، وثمود، وقوم موسى، وقوم نوح، وأصحاب مدين، وأهل مكة في غزوة بدر، وذلك معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨]. فكيف كان إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣].
(١) سبق تخريجه. (٢) ستأتيك في (٦/ ١٨) فروق مهمة ودقيقة بين الإرادتين، فانظره هناك، تولى الله هداك. (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عير».