للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] [فمشيئة الله] (١) تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه (٢) نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرًا؛ فلا حجة لهم فيها؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، له في ذلك حجة قاطعة، وحكمة بالغة (٣) ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر (٤) عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق، كيف ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] (٥).

[فصل]

قال محمد تقي الدين فيه فوائد:

الأولى: إن كل أمة من أمم الأرض بعث الله إليها رسولًا يدعوها إلى توحيد الله واتباع شرعه، فبعض هذه الأمم استجابت لداعي الله بالسمع والطاعة، ولم تمنعهم أغراض الدنيا الفانية كالجاه والمال أن يستجيبوا لرسل الله، فأدركوا بذلك سعادة الدنيا والآخرة. وبعضهم منعتهم أهواؤهم وأغراضهم الفاسدة، فأبوا أن يستجيبوا لداعيهم، فأضلهم الله، والله حكم عدل، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإن قلت: فلماذا عذب الله عمرو بن لحي الذي أخبر النبي أنه رآه يجر قصبه في النار (٦) كما في «الصحيح»؟ ولماذا عذب الله عبد المطلب جد النبي ؟ بدليل أن أبا طالب لما كان آخر كلامه: «هو على


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فمشيئته».
(٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»: وفي الأصل: «لأنهم»!
(٣) في مطبوع تفسير ابن كثير: «حجة بالغة وحكمة قاطعة».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «عير».
(٥) انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٣٠٩ - ٣١٠).
(٦) سبق تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>