للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال ههنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قيل: اللام ههنا لام العاقبة، وقيل: لام التعليل، بمعنى (١) قضينا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وإنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم ثم توعدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: اعملوا ما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبة ذلك ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد [بغير علم] (٢)، وجعلوا للأوثان (٣) نصيبًا مما رزقهم الله، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبًا مع الله وفضلوها (٤) على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه والتفكوه وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ (٥).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: أنا أختار تفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي: خالصًا فلا يجوز أن يعبد غيره بأي نوع من أنواع العبادة.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ علة لما تقدمه، أي: وحدوا الله لأنه هو الذي يمن عليكم بالنّعم، وغيره لا ينفع ولا يضر فلم تعبدونه؟ وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ هذه عادة المشركين يجعلون أموالهم لآلهتهم التي يسمونها بالأولياء، وقد زين لهم الشيطان أن يتخذوا أولياء


(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «معنى».
(٢) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير».
(٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لها».
(٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير: وفضلوهم أيضًا».
(٥) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)،

<<  <  ج: ص:  >  >>