ينجح (١) مسعاه ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ من هذه صفاته ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، فمقاله حق وفعاله مستقيمة، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
[فصل]
قال محمد تقي الدين:
فائدة: من عادة الحافظ ابن كثير الله أن يفسر القرآن بالقرآن، ويجمع النظائر ولم يفعل ذلك في هذه الآية والكمال الله، فإن تفسيرها ظاهر في آية الروم، يقول تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].
ففي الآيتين كلتيهما بيان من الله تعالى أنَّ مَنْ عبد مخلوقًا، وجعله الله ندًا بأن استغاث به بغير طريق الأسباب، واستعان به كذلك، أو خافه بالغيب، أو توكل عليه في قضاء حاجة إلى غير ذلك من أنواع العبادة، فإنه لم ينتفع بعقله فلا عقل ولا علم؛ لأنه لا يرضى أبدًا أن يكون عبده شريكًا له في ما له يتصرف كتصرفه، فإذا قال المشرك لوثنه أو لروح شيخه: إن ولد لي ولد ذبحت لك شاة، فقد جعل شيخه شريكًا مع الله، يعطي ويمنع ويقبل النذر ويعبد من دون الله؛ لأن شيخه عبد مملوك لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فكيف يشارك الله تعالى ويتصرف في ملكه.
فائدة ثانية في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ قال مجاهد: أي عيال عليه؛ ومعنى: العيال المحتاجون إلى نفقة من يعولهم، فشيخ الطريقة وكل الصالحين محتاجون إلى الله تعالى في إيجادهم وإمدادهم وفقراء إليه تعالى، فمن نسب لهم التصرف يكون في الجهل والحماقة كالذي ينسب الملك والتصرف إلى العبد المملوك الذي لو تركه سيده بلا عشاء لبات يتضور ويتألم من الجوع، فأحمق الناس وأجهلهم هو الذي يأتي إلى مثل هذا العبد ويلتمس منه عشاء، والآن حضرتني نادرة مضحكة، وهي مناسبة للمقام، يحكى أن راعي غنم من أهل البادية في الجزائر، جاءه رجل وهو راجع بغنمه إلى الخيمة قبل غروب
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «نجيح». (٢) انظر: «تفسر ابن كثير» (٨/ ٣٣٣ - ٣٣٤) بتصرف.