للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


القصص؛ لنعتبر بمن مضى ونحذر ما وقعوا فيه، ولأنه يعلم أنا لا نألو جهدًا في تقصي آثارهم: «إنكم لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى أنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (١)، ثم في خلال هذه العواصف ما خلا وقت من ناس خدموا القرآن فجمعوا ما وصلهم من معانيه، ولكنهم تأثروا بأفكار قائلة: إن القرآن دون الوصول إلى حقيقته عقبات لا يقطعها إلا من نبغ في كذا وكذا من العلوم، فاستفرغوا الجهد، وطلبوا تلك العلوم فلما قصدوا إلى أداء ما عندهم من العلم، حشروا كل ما في أدمغتهم في القرآن، وبعملهم هذا أصبح الطالب يقرأ في التفسير مجموعة من العلوم مبعثرة، وأتى قوم آخرون حسبوا القرآن إنما يُعنى بما تعلموه فحسب، فكان كلامهم تصنيفًا في العلم الذي تخرجوا فيه لا إيضاحًا للقرآن، ومن هذه الكتب «تفسير الزمخشري» فالقرآن عنده تقريبًا كتاب اعتنى بالبلاغة والنحو وتناول مسائل في الكلام، ولكن في الخزانة العربية تفاسير يفهمها كل من أراد أن يعرف كتاب الله بعد أن يتناول مسائل النحو، من أجلها: «تفسير ابن كثير» و «تفسير الجلال السيوطي» المسمى بـ «الدر المنثور»، وقد عد كثير من المؤلفين وسائل القرآن.
فمنهم من جاوز الحد فجعل الفلسفة سببًا في معرفة القرآن قال أبو إسحاق الشاطبي (٢): «ولو عكس الإنسان لما بعد» وعد منها بعضهم علم الهيئة وعد منها علم الكلام، وهذا كله افتراء ولكن يبقى النظر في شيئين: علم اللسان العربي، وعلم الآثار، هل هما ضروريان لطالب التفسير؟ لأنه خطاب للعرب فلا يفهمه بعد فساد لغتهم إلا من حصلت له الملكة والدربة الدقيقة فيها، ولأن القرآن بلغه الرسول وبلغ معه تفسيره كما آية: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ … ﴾ إلخ، وكما في حديث: «أوتيت القرآن ومثله معه» (٣) فتكون الوسيلة إليه هذا الطريق الوحيد، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتد به، وإن كان في إمكان الجمهور أن يتعلم القرآن من إقراء العلماء لهم، وتبقى تبعة البحث عن تفسير الرسول للآية ملقاة على كاهلهم.
لكن الطالب الذي يرى نفسه متصدرًا إلى تعليم الناس، يجب عليه أن يأتي البيت من بابه، ويبحث عن الدر في مكانه، وما كان طلب مالك والبخاري وأحمد وغيرهم من الهداة إلا بحثًا عن الكتاب والسنة لم يكن من شأنهم البحث عن مسائل علم الكلام، والنظر في الحال وما ذهب إليه الأشعري فيها، وما الجواب عنه في ذلك؟ فإن من تتبع مثل هذه الأبحاث خصوصًا رجلًا يقصد أن يكون غدًا قدوة في الدين لا يظفر إلا بالخيبة، ولا يصبح بعد الجهد الجهيد إلا كما قال خرّيت ذلك الطريق الشهرستاني:
لقد طِفتُ في تلك المعاهدِ كلَّها … وصيَّرتُ طرفي بين تلك المعالم

<<  <  ج: ص:  >  >>