فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


بِرَأْيِي» (١)، وهذا الاستدلال لا يصح لهم أما أولًا: لأن الله تعالى أنزل هذا القرآن للناس ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب، وأما ثانيًا: فإن النبي ﷺ قد بين للناس حاجتهم منه، وهذه كانت وظيفته التي أمره الله بها في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ومن تتبع السنن المحمدية وجدها قد أزالت عن وجه الكتاب القناع، وأما ثالثها: فإنا لو طردنا هذه الأدلة التي معهم لهلكنا بتركنا كلام الله - وقد فعلنا فتردينا في هوة لا ندري متى نتخلص منها؛ لأن النبي ﷺ قال: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي (٢).
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يذوقون معنى القرآن فيعملون به، ولا يتجاوزون آياته حتى يفهموها ويعملوا بمقتضاها، كما يقول لنا ابن مسعود وغيره. ومنهم من كان يخطئ في الفهم ولكن لا يؤاخذ بخطئه ما دام يعمل بما فهم، ويصحح فهمه على الرسول كما في قصة سيدنا عدي بن حاتم: جواد العرب، فإنه كان يضع فوق رأسه خيطين أبيض وأسود في ليالي رمضان، فما يزال يأكل حتى يتبينهما؛ لأنه قرأ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولكن الرسول (٣) زاد له ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ في القراءة فلم يبق إلا أن يكونا كنايتين عن الليل والنهار، وكل ما ورد في الأدلة الشرعية في ذم الرأي في القرآن لا نحفل به في الحقيقة، فهل يعتقد عاقل أنه يباح له الكلام في الحلال والحرام؟ فيقول: هذا يؤكل، وهذا يحظر، وهذا ينزع من يد هذا المالك، وهذا يستحق، وهذا نكاح فاسد، وهذا صحيح، والحالة هذه وهو لا يعرف عشر آيات من كلام الله، ثم تراه يقول إذا عرضت له آية في صلاة أو كتاب: هذا كلام الله لا نستطيع أن نتكلم فيه، فإن قلت له: إنك تؤلف المجلدات الضخمة في علم الفقه، يجيبك بأن النوازل كلها مأخوذة من الكتاب والسنة نقحها من قبلنا وكفانا المؤونة، وهذه عبارة كادت تكون محل إجماع القاصرين المتفيهقين، ونفرض إذا صححنا هذه الجملة السطحية أليس في القرآن غير مسائل الفقه؟ فأين الأخلاق؟ وأين التوجيه؟ وأين الحكم العجيبة والقصص الصادقة؟ وأين آيات الجنة والنار؟ و … ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، ولكنهم لم يفعلوا فكتبوا كتبًا من عندهم.
وقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾، والله يقص علينا أصدق
_________
= وفي «المفاريد» (٣٢)، وابن بطة (٧٩٨) عن جندب بن عبد الله البجلي، وإسناده ضعيف، وفيه سهيل بن أبي حزم ليس بالقوي.
(١) له طرق كثيرة متعددة عن أبي بكر، وهي لا تخلو من كلام أو انقطاع، ولكنه بمجموعها يصل إلى درجة الحسن - إن شاء الله تعالى - وقد بيناها في التعليق على «إعلام المو قعين» (٣/ ٤٤٠)، والحمد لله.
(٢) الحديث صحيح، انظر تخريجه في التعليق على (٣/ ٢٧، ٢٨)، وانظر: «الصحيحة» (١٧٦١).
(٣) انظر الحديث بتمامه في: «صحيح البخاري (٤٥٠٩، ٤٥١١)، وصحيح مسلم» (١٠٩٠، ١٠٩١).

<<  <  ج: ص:  >  >>