وتوجد قرية اسمها (أولاد يوسف) عندهم خطارة، والخطارة عندهم جدول من الماء ينشأ من مياه آبار متعددة، أولها في مكان عال، وثانيها أسفل منه، والثالث أسفل من الثاني، وهكذا إلى آخر الآبار، ثم يوصل بعضها ببعض ويحفر لها مجرى يجري منه الماء إلى المزارع والبساتين، ولما حفر أجدادهم هذه الخطارة نذروا لصاحب قبة يسمونه سيدي أحمد الحبيب أن يعطوه في كل سنة مقدارًا من المال، ليحفظ لهم هذه الخطارة فلا ينضب ماؤها، وبعد وفاته أخذوا يعطون ذريته ذلك المال المنذور.
وفي هذا الزمان سافر بعض أهل هذه القرية إلى البلدان التي ألقي فيها دروس التوحيد، وعلموا من سماع تلك الدروس أن الماء بيد الله هو الذي يعطيه أو يمنعه، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يعطي قطرة أو يمنعها، فقالوا لقومهم: توبوا إلى الله، فإن هذا شرك في الربوبية والعبادة جميعًا، فدعوني لألقي عليهم درسًا في التوحيد لعل الله يهدي إخوانهم ويجمع كلمتهم على توحيده ويستريحون من ذلك الخراج.
فسافرت إلى قريتهم وهي تبعد عن مكناس ٤٥٦ ميلًا، وأعطيتهم درسًا من المغرب إلى العشاء، وأرجو الله أن ينفعهم به (١).
وتوجد قرية أخرى في ناحية السيفة لهم خطارة، وقع لهم مثل ما وقع لقرية أولاد يوسف، وكان رجل منهم يأتي إلى مدينة أرفود ويحضر دروسي في التوحيد، فوحد الله تعالى، ودعا قومه إلى ترك دفع الخراج لذرية صاحب القبة الذي يعبدونه، فأبوا وقالوا له: أنت تريد أن تعرّض نفسك للهلاك، أما نحن فلا نريد ذلك، فقال لهم: أما أنا فلا أدفع فلسًا واحدًا ولا حبة حنطة، ولي نوبة ماء هذه الخطارة - والنوبة عندهم يوم وليلة في كل خمسة عشر يومًا -، فإذا جاءت نوبتي قولوا لمعبودكم يوقف ماء الخطارة عن الجري، أو يجعل ماءها غورًا.
وعندنا في المغرب قبائل لا تعد ولا تحصى من العرب والبربر، يأتيهم أبناء الشيخ الذي يعبدونه في كل سنة، ويأخذون منهم الخراج، سمنًا وصوفًا ودراهم
(١) وقد علمت بعد ذلك أنهم تركوا الخراج، وتابوا إلى الله تعالى، وبقيت خطارتهم على حالها. (منه).