للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الرابعة: يجب على كل من قدر على تحطيم ما يعبد من دون الله من القباب والأحجار والأشجار أن يقتدي بخليل الله إبراهيم، ويخليله محمد فكل منهما كسر الأصنام، وقد فعل ذلك الإخوان الموحدون في الحجاز، فهدموا قبة حمزة والقباب التي كانت في البقيع، فجزاهم الله خيرًا وأجزل ثوابهم.

الخامسة: تذكرنا قصة إبراهيم الخليل بمشركي هذا الزمان، فإنهم يبنون قبة على قبر بجانب الوادي، ويعبدون تلك القبة بالذبح والنذر، ويأتي السيل فيجرفها فيعيدون بناءها وعبادتها، ولا يفكرون بعقولهم في أن هذه القبة أو الروح المتلبسة


ربما كان بينهم من هو خير من صاحب القبر في حياته … لماذا ينقم المسلمون على النصارى التثليث وهم لم يبلغوا من الشرك مبلغهم؟ فالمسلمون يدينون بآلاف من الآلهة؛ أكثرها جذوع أشجار وجثت أموات وقطع أحجار من حيث لا يشعرون. فإذا ألمت بهم ملمة ذكروا الأموات قبل أن يذكروا الله ونادوهم قبل أن ينادوه … جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في نفوسهم الشرف والعزة، ليعتق رقابهم من رق العبودية، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم. وقد ترك الإسلام بسر عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده في سلطانه: لا تغل في تقدير نفسك، ولا تخرج عن دائرتك، فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله.
هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد. أما اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر تارة أخرى: فقد ذلت رقابهم ونفوسهم وخفقت رؤوسهم فأصبحوا من الخاسرين.
هذا؛ ومتى فسد على الأمة دينها فسد عليها كل شيء، لأن الدين هو حجرة الزاوية التي قامت عليها جميع الحضارات القديمة والحديثة. وختام الحضارات ومسكها هي حضارة الإسلام المجيدة. وما المدنية الغربية اليوم إلا قبس منها وشعلة ضئيلة من نورها الباهر. قد يلحق الدين تبديل وتحريف في التأويل، وبدع تسلب منه رونقه وبهاءه حتى يخرج من كونه دينًا إلى كونه مجموعة خرافات ولهو ولعب كما قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠] فيقيض الله لدينه رجالًا يجددون للأمة دينها. أجل؛ كل من يحاول تغيير ما ألفه الناس يكون معرضًا لسخط الجمهور ونقمته، وكل من يريد إحياء ما أماته الجهل من سنن الأنبياء يجد من الشدائد والمكايد ما وجدوه. ولكن إذا ثبت متكلًا على الله واثقًا بنصره، وقانعًا بما وهبه من علم وتقوى، ولم تستهوه الدنيا وزخارفها، ولم تفتتن نفسه بزينتها وشهواتا، فليبشر بالنصر المبين، والذكر الحسن في الأعقاب».

<<  <  ج: ص:  >  >>