الأولى: كل موحد وإنْ قَلَّ علمه، يجد حجةً على توحيد الله تعالى يغلب بها أكبر علماء الشرك والتقليد، فمن ذلك أن رجلًا من المشركين في صعيد مصر بالريرمون قال لموحد: أنتم وهابية تنكرون معجزات النبي ﷺ مع أنه حي يصلي في قبره، والأغوات (١) - وهم خدام المسجد النبوي - يضعون له الماء للوضوء قبل كل صلاة، فقال له الموحد: أنت كفرت بإجماع المسلمين، وتنقصت رسول الله ﷺ شر تنقص، لأن الوضوء لا يكون إلا عن حدث والنبي ﷺ منزه عن الحدث بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، فاعترف المشرك، وقال: أستغفر الله، والحكايات في هذا الباب كثيرة.
الثانية: حجة قوم إبراهيم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ هي حجة المشركين في كل زمان ومكان، وما أحسن جواب إبراهيم ﵇ لقومه، إذ قال لهم: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
الثالثة: إن قوم إبراهيم كانوا يوحدون الله تعالى في ربوبيته، ولذلك لم ينكروا عليه قوله: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكذلك المشركون في زمان النبي ﷺ كانوا يعترفون ويؤمنون أن الله رب كل شيء ومليكه، والمتصرف فيه، بخلاف المشركين في هذا الزمان الذين اتخذوا من دون الله أولياء، واعتقدوا أنهم يتصرفون في العالم بالإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع والنصر والهزيمة وإنزال المطر، والخصب أو القحط والجدب، فهؤلاء أغلظ كفرًا وشركًا من أولئك (٢).
(١) هما قسمان: قسم كان يقال له: (سندبيس)، وقسم كان يقال له: (مكاره)، ولكل قسم جهة من الحرم المدني وقت التسريج ووقت التعمير، ولا يمكن أحد من القسمين أن يعلق أو ينزل في غير مدركه المعلوم انظر: «رسائل في تاريخ المدينة» (ص ٧٧ - تحقيق حمد الجاسر). (٢) ظفرت بكلمة في كتاب «تاريخ حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في أندونيسيا» (ص ١١ - ١٢) نقلها عن الأديب الكبير المعروف مصطفى لطفي المنفلوطي (١٨٧٢ - ١٩٢٤) جاء فيها: «المسلمون اليوم أكثر إشراكًا من المشركين، وأوسع منهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات، فأي قلب لا ينفطر عند ما يرى المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر