ينطقون﴾ قال قتادة: أدركت القوم حيرة (١) السوء، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (٢) فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ (٣) أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] الآية».
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ قال (٤): «لما دحضت حجتهم وبان عجزهم، فظهر الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًا، قال السدي: حتى إن كانت المرأة لتمرض وتنذر (٥) إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في حومة (٦) من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم، ولهب مرتفع، لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد.
قال البخاري عن ابن عباس أنه قال:«حسبي الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﵇ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣](٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (٨) أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيدًا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك.
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير» وفي الأصل: «حسرة». (٢) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وقال السدي: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: في الفتنة وقال ابن زيد: في الرأي، وقول قتادة أظهر في المعنى، لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا ولهذا قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾». (٣) بعدها في مطبوع «تفسير ابن كثير»: أي: إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. (٤) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير» وفي الأصل: «وظهر». (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «تمرض فتنذر». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «جوبة». (٧) أخرجه البخاري (٤٥٦٣). (٨) انظر: «تفسير ابن كثير» (٩/ ٤١١ - ٤١٨) بتصرف.