يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى أهل نينوى المدينة التي تقدم ذكرها ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أي: هرب من قومه لما عصوه وسماه الله آبقًا كما يسمى العبد الذي هرب من سيده؛ لأنه بارح قومه بغير إذن من الله تعالى: ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة الممتلئة بالركاب ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: اشترك مع أهلها في القرعة ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، أي: المغلوبين ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فعل ما يلام عليه، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ في بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ أي: لبقي في بطن الحوت ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وكان بطن الحوت قبره، فلا يرجع إلى الحياة إلى يوم القيامة … .
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أمر الله الحوت أن يلقيه على الأرض بشاطئ البحر ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: مريض بسبب ابتلاع الحوت له ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ وهو القرع، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي بل يزيدون على مائة ألف، فآمنوا بالله ورسوله يونس، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: دفع الله عنهم العذاب بعد ما شاهدوه، وقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ هو من قدر بمعنى قدر المشدد الدال، يقال: قدر الله عليه كذا وكذا يقدره على وزن ضرب، وهذا الأمر مقدور، ويجمع على مقادير، قال الشاعر:
دع المقادير تجري في أعنتها … ولا تبيتنَّ إلا خالي البال
ما بين غمضة عين وانتباهتها … يغيَّرُ الأمرُ من حال إلى حال
والمعنى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ عقابًا لما بارح قومه بلا إذن، فلما ابتلعه الحوت نادى في الظلمات وهي ثلاث ظلمات، قال ابن مسعود:«ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل»(١)، نادى قائلًا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ توسل إلى الله بتوحيده واعترف بخطئه، وروى الترمذي وغيره عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال:«دعوة ذي النون، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له»(٢).
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الفرج بعد الشدة» (ص ١٣)، والحاكم (٢/ ٣٨٢) وصححه، وابن أبي حاتم - وهو ليس في القسم المطبوع من «تفسيره» ـ، وأحمد في «الزهد» - وهو ليس في مطبوعه، كما في «الدر المنثور» (١٠/ ٢٦٠) - (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٥٦، ٦٦٠، ٦٦١)، =