قال محمد تقي الدين الخطاب هنا لمشركي مكة ومن سلك سبيلهم في الشرك بالله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ يشمل الأوثان والأصنام من قباب أو أحجار وأشجار، ويشمل الطواغيت الذين يدعون الناس إلى عبادتهم أو عبادة غيرهم من المخلوقين، والحصب ما يلقى في النار لتتقد، وقوله: ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: فيها داخلون، لَوْ كَانَ هَؤُلَاء الأصنام والأوثان الهة حقًا، ما دخلوا جهنم ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ العابدون والمعبودون، ﴿لهم فيها زَفِيرٌ﴾ أي: أنين، وتنفس شديد، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ من شدة العذاب.
ولما نزلت هذه الآية جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي ﷺ وجادله فقال: إن بعض العرب يعبدون الملائكة، واليهود يعبدون عزيرًا، والنصارى يعبدون عيسى ابن مريم وأمه، فهل هؤلاء أيضًا يدخلون جهنم؟ فأنزل الله تعالى جوابه (١).
(١) أخرجه الطبراني في (الكبير) (١٢/ ١٥٣) رقم (١٢٧٣٩)، وابن حبان في «الصحيح» رقم (١٧٥٨ - «موارد»)، ومن طريقه ابن حجر في «موافقة الخبر الخير» (٢/ ١٧٣، ١٧٤) بسنده إلى ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قال عبد الله بن الزبعري: أنا أخصم لكم محمدًا؛ فقال: يا محمد! أليس فيما أنزل الله عليك ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟ قال: «نعم». قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا، وهذه بنو تميم تعبد الملائكة؛ فهؤلاء في النار؟ فأنزل الله ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. وفي إسناده عاصم بن بهدلة، ضعفه جماعة. وأخرجه البزار من طريق آخر عن ابن عباس، وفيه: «ثم نسختها ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ … ﴾، وفيه شرحبيل بن سعد مولى الأنصار، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات، قاله الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٦٨). وأخرجه من طرق أخرى: الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٣٨٥)، وابن جرير في «التفسير» (١٧/ ٩٧)، والواحدي في أسباب النزول» (ص ٢٠٦)، والهروي في ذم الكلام (ص ١٦٥)، وابن أبي حاتم والحارث بن أبي أسامة وابن مردويه في «تفاسيرهم»، ومن طريق ابن مردويه والواحدي والحارث ابن حجر «في موافقة الخبر الخير» (٢/ ١٧٢)، والضياء في «المختارة»، والخبر عند ابن هشام في «السيرة» (١/ ٢٥٩)، وابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٨٨ - ٨٩)، وقال عنه في تحفة الطالب رقم (٢٣٥): «مشهور من كتب التفسير والسير والمغازي»، وقال ابن حجر: «هذا حديث حسن».