للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: كل من عبد من دون الله، ولم يرض بعبادة العابدين، بل دعا إلى توحيد الله مبعد عن النار ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: صوتها ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُم﴾ من النعيم ﴿خَالِدُونَ﴾ باقون إلى الأبد ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وهو الخوف الذي يحصل للمجرمين عند النفخة الأخيرة في الصور، كما قال تعالى في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم بالبشرى قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا، وكان عبد الله بن الزبعري شاعرًا شديد العداوة للإسلام، ثم أسلم ومدح النبي ، فمن ذلك قوله (١):

يا رسول المليكِ إنَّ لِساني … راتق ما فتقتُ إِذْ أَنا بُورُ


وقال في «الكافي الشاف» (ص ١١١ - ١١٢): «اشتهر في ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم أن النبي قال في هذه القصة لابن الزبعري: «ما أجهلك بلغة قومك؛ فإني قلت: وما تعبدون، وهي لما لا يعقل، ولم أقل: ومن تعبدون، وهو شيء لا أصل له، ولا يوجد لا مسندًا ولا غير مسند».
وقال في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ١٧٥): «وهذا لا أصل له من طريق ثابتة ولا واهية»، ثم ذكر منشأ وهم من ذكر هذا الحديث.
وفي «تفسير الآلوسي» (١٧/ ٨٦) نقلًا عنه زيادة على المذكور: «الوضع عليه ظاهر، والعجب ممن نقله من المحدثين».
وحكم قبله ابن العربي في الناسخ والمنسوخ» (٢/ ٣٠٣) مثل هذا الحكم؛ فقال: «هذا خبر موضوع لا أصل له في السقيم؛ فكيف في الصحيح؟ ولا في الضعيف فضلًا عن القوي، ويدفعه القرآن؛ فإنه لو كان كما وضع هذا الملحد لما افتقرنا إلى الجواب بالآيات الثلاث، ولكان فيما وبخهم به كفاية، وأيضًا؛ فإنه كان يجب أن يقال: «إن من سبقت لهم منا الحسنى، فتكون الآية مطابقة للحديث، ولكنه جاء بكلمة (الذين) التي هي معنى كلمة «ما»؛ فيكون معنى الآية الأولى: إنكم والذين تعبدون من دون الله، وتكون الآية الثانية تخصيصًا صحيحًا باللفظ للفظ، وبالمعنى للمعنى، ونحن لا نحتاج إلى هذا كله، ونعوذ بالله من التكلف للحق؛ فكيف بالتكلف للباطل؟!» وانظر: «المعتبر» (ص ١٨٧) للزركشي، «الإيضاح» لمكي بن أبي طالب (٩٣، ٣٥١ - ٣٥٢)، «فهم القرآن» للمحاسبي (ص ٣٥٧، ٤٧٣)، «الموافقات» (٣/ ٣٦٢ - ٣٦٤ و ٤/ ٣٠ - ٣٣ - بتحقيقي).
(١) البيتان في «طبقات فحول الشعراء» (١/ ٢٤٢) لابن سلام، و «جمهرة نسب قريش» (٢٨٨٩)، والأول منها في «إصلاح المنطق» لابن السكيت (١٢٥) وقال: «البور: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه».

<<  <  ج: ص:  >  >>