للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مِنْ دُونِ اللَّهِ] (١) فيما زعمتم أنهم لكم أولياء [أنهم] (٢) يقربونكم إلى الله زلفى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم، ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ﴾ أي: يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٣).

[فصل]

قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام فوائد عظيمة النفع لمن فكر فيها وفهمها: الأولى: إن الله تعالى يجمع العابدين والمعبودين يوم القيامة؛ ليخزي العابدين ويوقعهم في الحسرة والندامة، فيقول للمعبودين كعيسى بن مريم، وعزير والملائكة، والجن والصالحين: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ فقلتم: اعبدونا بالذبح والدعاء والنذر والاستغاثة والتوكل والرجاء والخضوع والتذلل، ونحن نتكفل لكم بقضاء حاجاتكم عند الله في الدنيا وندخلكم الجنة يوم القيامة؟ أم من تلقاء أنفسهم ضلوا السبيل فعبدوكم من دون الله، واعتمدوا عليكم في قضاء الحاجات وتفريج الكربات؟ فيجيب أولئك المعبودون عن سؤال الله تعالى لهم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ننزهك أن يعبد معك غيرك، ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أن نقول لهؤلاء المشركين ولا أن نرضى بعملهم، ولكن أنت يا رب متعتهم ومتعت آباءهم من قبلهم بطول العمر وسعة الجاه والأموال والأولاد حتى نسوا ذكرك ونبذوا كتابك وما جاءت به رسلك، وكانوا قومًا هالكين.

ثم يقول الله تعالى للعابدين: اسمعوا، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ وتزعمون من أنهم كانوا راضين عنكم بعبادتكم لهم، فأنتم وهم في هذا اليوم عاجزون، لا يستطيعون صرف العذاب عنكم، ولا تستطيعون أن تنصروا أنفسكم ولا غيركم، ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِنكُمْ﴾ ظلمًا كبيرًا - وهو الشرك بالله - أو ظلمًا صغيرًا - وهو المعاصي -، ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. اهـ.


(١) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير».
(٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «وأنكم اتخذتموهم قربانا».
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٢٩١ - ٢٩٣) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>