السدي: لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة» (١)، وهذا كقوله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾، أي: في الدار الآخرة فيجازي كلًا بعمله، ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله ﷿، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه وتندمون، حيث لا ينفعكم الندم. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو بصير بهم. تعالى وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة والحكمة التامة والقدر النافذ، وقوله ﵎: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه الله تعالى مع موسى ﵊، وأما في الآخرة فبالجنة، ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحًا ومساءً إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة، اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشده ألمًا وأعظمه نكالًا، وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وروى البخاري بسنده عن عائشة أن يهودية دخلت عليها فقالت: نعوذ بالله (٢) من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال:«نعم عذاب القبر حق»، قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر (٣).
وروى البخاري ومسلم بسنديهما عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة
(١) انظر: «تفسير السدي الكبير» (ص ٤٢٤) جمع د. محمد عطا يوسف. (٢) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أعاذك الله». (٣) أخرجه البخاري (١٣٧٢، ٦٣٩٦)، ومسلم (٥٨٦، ١٢٥٥)، وأحمد (٦/ ٤٤، ١٧٤)، وغيرهم.