فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله ﷿ إليه يوم القيامة» (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، قال (ع): يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم فيقول: ﴿الضُّعَفَاءُ﴾ وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة والسادة والكبراء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾، أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه، في الدنيا من الكفر والضلال، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: قسطًا تتحملونه عنا، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: لا نتحمل عنكم شيئًا كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: يقسم (٢) بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ لما علموا أن الله ﷿ لا يستجيب لهم (٣) ولا يستمع لدعائهم بل قد قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] سألوا الخزنة وهم كالسجانين (٤) لأهل النار أن يدعوا لهم الله تعالى في أن يخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل، ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أي: أنتم لأنفسكم فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم براء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم، ولهذا قالوا (٥): ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (٦).
قال القاسمي: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ أي: لننصرهم في الدارين، أما في الدنيا: فبإهلاك عدوهم
(١) رواه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦)، وأحمد (٢/ ١١٣)، والترمذي (١٠٧٢)، وما مضى من «تفسير ابن كثير» (١٢/ ١٩٢ - ١٩٨). (٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «فقسم». (٣) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «منهم». (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «كالبوابين». (٥) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وفي الأصل: «قال». (٦) انظر: «تفسير ابن كثر» (١٢/ ١٩٨ - ١٩٩).