زعمهم عما جاءتهم به الرسل، قال مجاهد: «قالوا: نحن أعلم منه (١) لن نبعث ولن نعذب» (٢)، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي: عاينوا وقوع العذاب بهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي: وحدوا الله وَكَفَرُوا بالطاغوت. ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة، وهي (٣) كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. قال الله ﵎: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] أي: فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى ﵊ دعاءه عليه حين قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. [وهكذا قال تعالى ههنا](٤): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه [لا تقبل توبته](٥)، ولهذا جاء في الحديث:«إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»(٦) أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك فلا توبة حينئذ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (٧)
[فصل]
قال محمد تقي الدين فائدة: يولد الإنسان جاهلًا عاجزًا فقيرًا، ثم يعطيه الله سبحانه العلم والمال والأولاد والجاه.
والعلم قسمان: وكذلك المال والأولاد والجاه؛ فالعلم الذي يوصل صاحبه إلى الإيمان بالله ورسله وطاعة الله وطاعة رسله والعمل الصالح والأخلاق
(١) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير، وفي الأصل: «منهم»! (٢) أخرجه ابن جرير (٢٠/ ٣٧٢)، وعبد بن حميد وابن المنذر، كما في «الدر المنثور» (٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، وهو في «تفسير مجاهد» (٥٨٤). (٣) في مطبوع تفسير ابن كثير»: «وهذا». (٤) في مطبوع تفسير ابن كثير: «وهاهنا قال». (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «لا يقبل». (٦) أخرجه أحمد (٢/ ١٣٢)، والترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٤٢٥٣)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (٣٥٢٩)، وابن حبان (٦٢٨)، وابن عدي (٤/ ١٥٩٢)، والحاكم (٤/ ٢٥٧)، والبيهقي في «الشعب» (٧٠٦٤)، والبغوي (٣٠٦)، وأبو نعيم (٥/ ١٩٠) من حديث ابن عمر، وإسناده حسن. (٧) انظر: تفسر ابن كثر (١٢/ ٢١٢ - ٢١٣).