العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين.
ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفَّقون من أشياعهم زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل (١) طاروا إليه زرافات ووحدانًا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه على ما قال برهانًا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس.
ثم خلف من بعدهم خُلُوف ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا (٢) التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد، وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣].
قال الشافعي (٣) قدس الله روحه: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس». قال (٤) أبو عمر (٥) وغيره من العلماء: «أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله». وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى:«فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد».
فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال مَنْ فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء «فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا
(١) بعدها في مطبوع «الإعلام»: «بأخذته». (٢) في مطبوع «الإعلام»: «وجعلوا». (٣) في كتابه «الرسالة» (ص ٤٢٥). (٤) في مطبوع «الإعلام»: «وقال». (٥) في جامع بيان العلم (٢/ ٧٨٧ و ٩٩٣، ط. ابن الجوزي) بنحوه.