للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الملك الموحدي العالم، الذي أمر بإحراق كتب الفروع (١) في جميع أنحاء


فتقبلوها على التقليد، وهذا يساعده إخبار الله تعالى عنهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي: أن أسلافهم حرفوا الكلام، ومزجوا شرحها بالأكاذيب والتمويه والتضليل، وهؤلاء أخذوا ذلك منهم من غير تمحيص ولا نظر، يساعده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم التقليد والظن، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم، فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين، وفي الإتيان بـ إن التي معناها النفي، والاستثناء بـ إلّا تأكيد لنفي العلم عنهم.
ولما ذم الله تعالى من لا يعلم، عُلم أن المعارف كسبية لا ضرورية.
ويؤخذ من أحكام هذه الآية: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز، وأن التقليد لا يعد علمًا؛ لأنه أخذ قول الغير بلا دليل، ومثل هذا لا يليق أن يكون متصفًا بالعلم أصلًا؛ لأن هذه طريقة العوام، وأن المُضلّ وإن كان مذمومًا، فالمغتر بإضلال المضل أيضًا مذموم؛ لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة.
ولما أثبت لهذا الفريق القطع على الله بما لا علم لهم به، وكان هذا معلوم الذم محتوم الإثم، سبب عنه الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله، وأعداهم فقال: ﴿فَوَيْلٌ﴾، والويل جماع الشر كله، أي: ما يجمع الشر كله كائن ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ منهم، أو من غيرهم، ﴿الْكِتَابُ﴾ الذين يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله تعالى، أو يكتبون التأويلات الزائفة ﴿بأيديهم﴾ تأكيد لدفع توهم المجاز كقولك: كتبته بيميني.
ثم أشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث بـ ﴿ثم﴾ المفيدة للتراخي، فقال: ﴿ثم يَقُولُونَ﴾، أي: لما كتبوه كذبًا وبهتانًا هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة، ودناءتهم، فقال: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾، أي: بذلك الكذب الذي صنعوه ﴿ثمنا قَلِيلًا﴾، ثم سبب عنه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من ذلك الكذب على الله، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، أي: يجددون كسبه مما اشتروه به، والمراد مما يكسبون من الخبث، ولكنه حذفه الوضوح الدلالة عليه بقرينة ما تقدم.
وفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنه لإعجازه، لا يقدر أحد أن يأتي من عنده بما يدسه فيه، فيلبس به، فله تعالى الحمد والمنة.
وأشارت الآية إلى أن كسبهم هذا في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين، وأضلوا، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير مما يضر بعظم إثمه، فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال، ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها، ويضم إليها أنه مهد طريقًا في الإضلال باقيًا على وجه الدهر، فلذلك عظم الله تعالى ما فعلوه قاله العلامة ابن بدران في «جواهر الأفكار» (٢٣٧ - ٢٣٨).
(١) انظر تفصيل ذلك في مقالة (موقف الموحدين من كتب الفروع) للأستاذ سعيد =

<<  <  ج: ص:  >  >>