للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَالَ ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤].

وفي هؤلاء ومثلهم (١) قال الله ﷿: ﴿*إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ


(١) بل الآية رقم (١٧١) من هذه السورة وهي عقب الآية التي يفسرها هنا، تدل عليه، ونسوق كلام ابن بدران في «جواهر الأفكار» (٤٤٤ - ٤٤٥) لنفاسته، ومنه يظهر الذين ذكرناه على وجه لائح، قال رحمه الله تعالى: «يقول الله لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباؤكم، فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباءكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء، المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به جاهل، إلا من عقل له ولا تمييز.
والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للحال، والهمزة بمعنى الرد والتعجب؛ ﴿أَلْفَيْنَا﴾ بمعنى وجدنا، بدليل قوله: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهذه الآية صريحة في ذم التقليد، صراحة لا تقبل التأويل ولا الصرف عن ظاهرها.
وقد حكى ابن عطية: أن الإجماع منعقد على إبطاله في العقائد.
وقرر فخر الدين الرازي في تفسيره، بطلان التقليد بوجه عقلي، فقال: يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان، أن يعلم كونه محقًا، أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقًا، فكيف عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل فذاك كافٍ، فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده، أن يعلم كونه محقًا، فإذن قد جوزت تقليده، وإن كان مبطلًا؟! فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل؟
وأيضًا هب أن ذلك المتقدم الذي قلدته كان عالمًا بذلك الشيء، إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم، ما كان عالمًا بذلك الشيء قط، وما اختار فيه البتة مذهبًا، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه، كان لا بد من العدول إلى النظر؛ فكذا ههنا.
وأيضًا إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا تقليد؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور، وإما التسلسل، وإن عرفته لا بتقليد، بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المقدم، وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد؛ لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفًا له!! فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلًا.
وما قاله هنا الدليل يعم المقلد في التوحيد والمقلد في الفروع، وقد جعل العلماء للمقلد في الفروع ميزانًا عادلًا، فاتفقوا على أن المكلف متى عرف الحق، لا يجوز له تقليد أحد في خلافه.

<<  <  ج: ص:  >  >>