نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فالذين استجابوا لله وللرسول وكانوا أمواتًا بالكفر أو الشرك أو البدعة يصيرون بالاستجابة أحياء ويجعل الله لهم نورًا يمشون به في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، والذين لم يستجيبوا الله يبقون أمواتًا، ولا يجعل الله لهم نورًا، فيبقون متخبطين في الظلمات في الدنيا والآخرة.
[فصل]
كل مشرك أو مبتدع ينسب شركه أو بدعته إلى نبي من الأنبياء أو إمام من الأئمة، كما فعلت النصارى حين نسبوا إلى عيسى أنه قال لهم: أنا ابن الله، وأنه قال لهم: أنا الأقنوم الثاني فاعبدوني وهم كاذبون، انظر «البراهين الإنجيلية» لمؤلف هذا الكتاب (١).
وكذلك عباد القبور وأصحاب الطرائق الذين يستمدون الهداية وتنوير القلوب من شيوخهم يزعمون أن شيوخهم أمروهم بذلك، فإن كان شيوخهم صالحين فإنهم يتبرؤون منهم يوم القيامة، وإن كانوا طالحين فإنهم أيضًا يتبرؤون منهم كما قال رئيسهم إبليس: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. اهـ. وإذا تبرؤوا منهم تعظم حسرتهم وندامتهم حين لا ينفع الندم، يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧].
[فصل]
قول الحافظ أبي عمر:(وإن اختلفت الآثام)، معناه: إن الآية واردة في النوع الأول والثاني من المقلدين، فمن قلد رجلًا فأشرك بالله كان كافرًا آيسًا من رحمة الله، ومن قلّد رجلًا ففعل محرمًا أو ترك سنة كان آثمًا، وهذا معنى اختلاف الآثام، ومن قلد رجلًا في أمر من أمور الدنيا كالتجارة والزراعة والصناعة فأخطأ الصواب وخسر في أمر دنياه؛ كان ذلك التقليد وبالًا عليه.
(١) مضى النقل عنه مطولًا في (٢/ ٢٧)، وينظر ما سيأتي في هذا الجزء (ص ١٦٨ - ١٦٩).