بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول (١) إلى أنه كان له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في «الصحيحين» بسندهما إلى أم سلمة أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال:«ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها»(٢).
وقال الإمام أحمد بسنده إلى أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ:«إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها انتظامًا في عنقه يوم القيامة»، فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ:«أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه»(٣). وقد روى أبو داود من حديث أسامة بن زيد بن وراد:«إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي فيه»(٤).
وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس «أن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلًا من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال: «إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر
(١) انظر في توجيه الآية عليه: كلام الطوفي في «الإشارات الإلهية» (٢/ ٤٢ - ٤٥). (٢) أخرجه البخاري (٢٤٥٨)، ومسلم (١٧١٣). (٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٢٠)، وابن أبي شيبة (٩/ ٤٩٢)، وإسحاق ابن راهويه في «مسنده» (٤/ ٦١)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٠٠٠)، وأبو يعلى (٦٨٩٧، ٧٠٢٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٥٤ - ١٥٥)، والطبراني (٢٣/ رقم ٦٦٣)، والدارقطني (٤/ ٢٣٨، ٢٣٩)، والحاكم (٤/ ٩٥)، والبغوي (٢٥٠٨)، والبيهقي (٦/ ٦٦ و ١٠/ ٢٦٠) من حديث أم سلمة، وإسناده صحيح، وصححه شيخنا الألباني في «الصحيحة» (٤٥٥)، و «الإرواء» (١٤٢٣). (٤) أخرجه أبو داود (٣٥٨٤) وهذا اللفظ من تفردات أسامة بن زيد، وذلك مما يجعلنا نتوقف عن الاحتجاج بما تفرد به أفاده شيخنا الألباني في «الصحيحة» (٤٥٥).