وقد رأيت مثل هذا في بادية حميان بأرض الجزائر، فإن النساء عندهم لا حظ لهن في البر وإنما طعامهن الشعير، ففي كل خيمة يصنع نوعان من الطعام: نوع للرجال من البر ونوع للنساء من الشعير، فترى الرجل وأولاده الذكور يأكلون طعام البر، وزوجته وبناته لا حظ لهن فيه ولو مرة في السنة، وأعرف رجلا اسمه بو مدين كان شيخا كبيرا وله زوجة وليس لهما أولاد، فكانت زوجته تصنع طعامين طعاما من البر له، وطعاما من الشعير لها.
وبالمناسبة أذكر قصة وقعت لي مع هذا الرجل، فإنه جاءني عند الزوال فقال: قم فصل الظهر وأنا إمام الحي، فقلت له: انتظر قليلا حتى يتحقق دخول الوقت، فقال لي: إن الوقت قد دخل وأنا مستعجل أريد أن أصلي وأذهب إلى شغلي، فقلت: إن صلاة الظهر قبل تحقق دخول الوقت لا تجوز، فخاصمني وشتمني وقال لي: إن لم تكن راضيا فهذه الثنية أمامك فاذهب، والثنية هي الطريق بين جبلين، فأخذت سبحتي وأنا يومئذ تجاني مخلص في الطريقة أشد الإخلاص من فرط جهلي وشقائي، فوجهت سبحتي كالبندقية إلى خيمته طلبا للانتقام منه، فخاف خوفا شديدا وانصرف، وفي ذلك اليوم ضلت له أحسن ناقة من إبله فجاءني في الغد خاشعا ذليلا وقال لي: يا سيدي محمد! إنك قطعت في خويدمك، - أي انتقمت منه - بلا رحمة، فقلت: مهيم، فقال لي: ضاعت الناقة الحمراء فاغفر لي إساءتي إليك، وادع الله أن يردها فدعوت وغفرت له، ولكن الناقة لم ترجع.
فمنذ ذلك اليوم صار يخدمني خدمة العبد لسيده إلى أن افترقنا. فانظر إلى هذا الجهل العظيم من المخدوم والخادم والمعبود والعابد، فاللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا وأخرجتنا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وبهذا يعلم أن الشيخة بهية وهي امرأة مكفوفة البصر لا يفوتها درس من دروس وعظي لا مع الرجال ولا مع النساء، قالت لبعض النساء لا يزلن متمسكات ببدعة السبحة (١): ألقين عنكن هذه الأصنام، فإن السبحة قد تكون وثنا، كما وقع لي حين وجهتها إلى خيمة الرجل.
(١) لا يشك منصف أن حمل السبحة والتظاهر بها تكثير لسواد المبتدعة! فما ينبغي أن يفعله من في قلبه أدنى حرص على الالتزام بالسنة، وكذا التسبيح بها، ولا سيما دبر الصلوات، فإن السبحة قضت على سنة العد بالأصابع، أو كادت، مع اتفاقهم على أنها أفضل. وانظر كتابي: «القول المبين» (ص ٢٩٩ - ٣٠٠).