العظيمة تليينًا لقلب المقلد الذي جمد وصار كالجلمود (١)، فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر القرآنية، ربما امتثلها وأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ طاعة لأوامره، فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومة لكل مسلم، لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع الفرقانية والزواجر المحمدية، فإذا ذُكِّر بها ذكر، ولا سيما من نشأ على التقليد، وأدرك سلفه ثابتين عليه غير متزحزحين عنه فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه، وما كان مخالفًا له فليس من الإسلام في شيء، فإذا راجع نفسه رجع، ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب، ثم سمع - قبل أن يتمرن (٢) بالعلم ويعرف ما قاله الناس - خلاف ذلك المألوف، استنكره وأباه قلبه، ونفر عنه طبعه، وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر.
ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من اتبع أحد أئمة المذاهب في مسألة من مسائله التي رواها عنه المقلد ولا مستند لذلك العالم فيها، بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل، وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في القرآن والسنة، أفاده العقل بأن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل، لا جامع بينهما؛ لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به، واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة، أولها وآخرها وحيها وميتها، والعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره، والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة واسترواء النص، وكيف حكم الله في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسألة فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها، أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها، فهم رواة وهو مسترو وهذا عامل بالرواية؛ لا بالرأي، والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية؛ لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة، وذاك في سؤاله يطالب بالحجة لا بالرأي، فهو قابل لرواية الغير لا لرأيه، وهما من هذه الحيثية متقابلان؟! فانظر كم الفرق بين المنزلتين؟! والكلام في ذلك يطول ويستدعي استغراق الأوراق الكثيرة، وهو مبسوط في مواطنه، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ، وبالله التوفيق» (٣).
(١) في مطبوع «تفسير القاسمي» و «فتح البيان»: «كالجلمد». (٢) في مطبوع «تفسير القاسمي» فقط: «يتمرد». (٣) انظر: «تفسير القاسمي» (٦/ ٥٠ - ٥٥).