وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدًا، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي، وترغم به أنفهم (٢)، وتدحض به حجتهم، فقد أخبرنا الله (٣) في محكم كتابه أنه أكمل دينه، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله، فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك؛ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] اذهب لا حاجة لنا في رأيك وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا.
وقد أخبرنا الله في محكم كتابه أن القرآن أحاط بكل شيء علمًا فقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩]. ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي آية ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي أخرى: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وأمر عباده أيضًا في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسوله ﷺ فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذه أعم آية في القرآن وأبينها في الأخذ بالسنة المطهرة.
وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز. وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله لا يأتي بعائدة ولا فائدة زائدة، فليس أحد من المسلمين يخالف في ذلك، ومن أنكره فهو خارج عن حزب المسلمين، وإنما أوردنا هذه الآيات الكريمة والبينات
(١) سبق تخريجه. (٢) في مطبوع تفسير «القاسمي» و «فتح البيان»: «آنافهم». (٣) من مطبوع تفسير «القاسمي» و «فتح البيان»، وسقطت من الأصل.