للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنها تتضمن أنه عبد لا يعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى: فله منصب الرسالة، والتبليغ عن الله والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه: إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله ومحبته [أكثر من] (١) النفس، والأهل والمال والوطن [شرط الإيمان] (٢) وليس له من الإلهية شيء؛ بل هو عبد الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وقال : «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٣)، ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النزاع، وترك التحاكم إلى غيره كالمنافقين الذين يدعون الإيمان به ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد بكمال التوحيد وكمال المتابعة وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين، إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: إن الله أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها.

قال ابن القيم: «والطاغوت كل من تعدى به حده، من الطغيان؛ وهو مجاوزة الحد» (٤)، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله فهو طاغوت إذ قد تعدى به حده، ومن هذا كل من عبد شيئًا دون الله فإنه (٥) عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حده فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت، وتأمل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله على رسوله وعلى من قبله، ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله ويتحاكم إليه عند النزاع. وفي ضمن قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: (ألم تر إلى الذين آمنوا)، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير الله تعالى ورسوله ، ولم يقل فيهم: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب أو.


(١) في مطبوع «تيسير العزيز الحميد»: «على».
(٢) غير موجود في مطبوع «تيسير العزيز الحميد».
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق ذكره.
(٥) في مطبوع «تيسير العزيز الحميد»: «فإنما».

<<  <  ج: ص:  >  >>