قال محمد تقي الدين: هذه الآيات تشمل كلَّ مَنْ بلغته دعوة الرسول ﷺ وأعرض عنها، سواء أكان من المكذبين أم من المنافقين الذين يقولون: سمعنا وهم لا يسمعون، أم من المقلدين المتعصبين الذين يقولون بلسان حالهم أو قالهم أو بهما معًا: ما وافق قول إمامنا وأهل مذهبنا من سنة النبي ﷺ قبلناه وعملنا به، وما خالفه رددناه؛ إما بتأويل يحرف معناه، أو ادعاء نسخ أو ضعف أو غير ذلك من وجوه الرد. وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يصدق على كل مؤلف يخالف في تأليفه كتاب الله وسنة رسوله تعصبًا لمقلده بفتح اللام.
قال الإمام المحقق سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتاب «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» ما نصه (المتن ممزوج بالشرح):
(ش): لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملًا على الإيمان بالرسول ﷺ مستلزمًا له، وذلك هو [معنى](١) الشهادتين، ولهذا جعلهما النبي ﷺ ركنًا واحدًا في قوله:«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا»(٢)، نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من عرف أن لا إله إلا الله، فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد ﷺ، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول في موارد النزاع فقد كذب في شهادته، وإن شئت قلت: لما كان التوحيد مبنيًا على الشهادتين، إذ لا تنفك إحداهما عن الأخرى؛ لتلازمهما، وكان ما تقدم من هذا الكتاب في معنى شهادة أن لا إله إلا الله التي تتضمن حق الله على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، التي تتضمن حق الرسول ﷺ،
(١) غير موجود في مطبوع «تيسير العزيز الحميد». (٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر.