للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منزل منزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها.

قال (ك): «والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا» (١).

وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت منافٍ للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به وترك التحاكم إليه، فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير، وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت، الذي هو ما سوى الكتاب والسنة من الفرائض وأن المتحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم.

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] أي: إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا إعراضًا مستكبرين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] قال ابن القيم: «هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة، فلم يقبل، وأبى ذلك أنه من المنافقين» (٢)، و ﴿يَصُدُّونَ﴾ هنا لازم لا متعد، هو بمعنى يعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدود، ومصدر المتعدي صدًا. فإذا كان المعرضون (٣) عن ذلك قد حكم الله سبحانه بنفاقهم، فكيف بمن زاد (٤) إلى إعراضه منع الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما بقوله وعمله وتصانيفه؛ ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق، الإحسان في فعله ذلك أو التوفيق بين الطاغوت الذي حكمه، وبين الكتاب والسنة؟ قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم: تعالوا نتحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم مستكبرون، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك، ولا يعقلون، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلًا ما يؤمنون (٥).


(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٣٨).
(٢) انظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ٥٢٥) بنحوه.
(٣) في مطبوع «التيسير»: «المعرض».
(٤) في مطبوع «التيسير»: «ازداد».
(٥) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٥٤ - ٥٥٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>