وقوله ﷿: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد، ثم قال تعالى ﷻ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: هو الذي يُقدّر الهداية لمن يستحقها ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ﴾ أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة.
ثم قال ﷿: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعًا، وقوله:[جلت عظمته](٢): ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: ليسوا على يقين من أمرهم [وإيمانهم](٢) وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد» (٣).
وقوله ﵎: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ قال (ك): اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسها (٤)، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي فإنها أيضًا عشر فصول كهذه، وقوله (٥): ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه، وقوله ﷿: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم (٦) الله ﷿، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ يعني: المشركين فيما اختلقوه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.
(١) هذا هو الصواب، وفي الأصل - تبعًا لبعض طبعات «تفسير ابن كثير»، وهي كذلك في مصورة، ط. دار المعرفة، بيروت -: «وما اختلفوا»! والذي في الجاثية: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾، والذي أثبتناه ما في سورة الشورى. (٢) غير موجود في مطبوع «تفسير ابن كثير». (٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٢/ ٢٦١ - ٢٦٢). (٤) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «برأسه». (٥) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فقوله». (٦) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «أمرك».