للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الباب الخامس]

قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٧، ٤٨]

قال (ك): «لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حذر منه وأمر بالاستعداد له فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، ليس له دافع ولا مانع، وقوله ﷿: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: ليس لكم حصن تتحصنون فيه ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه فتغيبون (١) عن بصره ، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته فلا ملجأ منه إلا إليه ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢].

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾؛ يعني: المشركين ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لست عليهم بمصيطر وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال جل وعلا هاهنا: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم.

ثم قال : ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾؛ يعني: الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب (٢) ونقمة وبلاء وشدة ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ أي: يجحد ما تقدم من النعم ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر وإن أصابته محنة يئس وقنط كما قال رسول الله للنساء: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ فقال : «لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يومًا قالت: ما رأيت


(١) في مطبوع «تفسير ابن كثير»: «فتغيبوا».
(٢) كذا في مطبوع «تفسير ابن كثير»، وبدلها في الأصل: «الجدب».

<<  <  ج: ص:  >  >>