للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن كانت تلك المزايا بتقدم عصورهم فالصحابة والتابعون أقدم منهم عصرًا بلا خلاف، وهم أحق بهذه المزايا ممن بعدهم لحديث: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١).

وإن كانت تلك المزايا لأمر عقلي، فما هو؟ أو لأمر شرعي، فأين هو؟ ولا ننكر أن الله قد جعلهم بمحل من العلم والورع، وصلابة الدين، وأنهم من أهل السبق في الفضائل والفواضل، ولكن الشأن في المتعصب لهم من أتباعهم القائلين إنه لا يجوز تقليد غيرهم، ولا يعتد بخلافه إن خالف، ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم، وإن كان عارفًا بكتاب الله وسنة رسوله، قادرًا على العمل بما فيهما متمكنًا من استخراج المسائل الشرعية منهما.

فلم يكن مقصودنا إلا التعجب لمن كان له عقل صحيح وفكر رجيح، وتهوين الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات، وأنه لا يغتر العاقل بالكثرة وطول المهلة مع الغفلة، فإن ذلك لو كان دليلًا على الحق، لكان ما زعمه المقلدون المذكورون حقا، ولكان ما يفعله المعتقدون للأموات حقا».

الباب السادس *

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].

قال (ك): «يعني القرآن ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: القرآن ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] والآية وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الحق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أي: ربهما (٢) ومالكهما (٢) والمتصرف فيهما (٢) والحاكم الذي لا


(١) مضى تخريجه (٣/ ١١).
(٢) كذا في الأصل بالتثنية!

<<  <  ج: ص:  >  >>