للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما ذكر سبحانه حال الظالمين ذكر حال المؤمنين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ فيه تنبيه على أن عصاة المسلمين من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من صنوف النعم وأنواع المستلذات ﴿ذَلِكَ﴾ ما ذكر للمؤمنين ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته ومعرفة حقيقته؛ لأن الحق إذا قال (كبير) فمن ذا الذي يقدر قدره؟! ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الفضل الكبير ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ ثم وصف العباد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل بما أمر الله به وترك ما نهى عنه هم المبشرون بتلك البشارة، ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به نبيه من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه أمره بأن يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثوابًا منهم فقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قل يا محمد: لا أطلب منكم الآن ولا في مستقبل الزمان لا على تبليغ الرسالة ببشارة أو نذارة جعلًا ولا نفعًا وإن قل. والخطاب إما لقريش أو للأنصار لأنهم أخواله أو لجميع العرب؛ لأنهم أقاربهم (١) في الجملة ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ العظيمة الواسعة ﴿فِي الْقُرْبَى﴾» (٢).

وقال (كه): «أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. قال البخاري بسنده (٣) إلى عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قرب آل محمد ، فقال ابن عباس عجلت، إن النبي لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة»، ومضى إلى أن قال: «وقوله ﷿ ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: ومن يعمل حسنة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: أجرًا وثوابًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ


(١) في مطبوع «فتح البيان»: «أقارب».
(٢) انظر: «فتح البيان» (٦/ ١٩٦ - ١٩٨) بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري (٤٨١٨)، وأحمد (١/ ٢٢٩)، والترمذي (٣٢٥١)، والنسائي في «الكبرى» (١١٤٧٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>