وانظر - إن كنت ممن يعتبر - ما ابتليت به هذه الأمة من التقليد للأموات في دين الله، حتى صارت كل طائفة تعمل في جميع مسائل الدين بقول عالم من علماء المسلمين، ولا تقبل قول غيره ولا ترضى به، وليتها وقفت عند عدم القبول والرضا، لكنها تجاوزت ذلك إلى الحط على سائر علماء المسلمين، والوضع من شأنهم، وتضليلهم، وتبديعهم والتنفير عنهم، ثم تجاوزوا ذلك إلى التفسيق والتكفير، ثم زاد الشر حتى صار أهل كل مذهب كأهل ملة مستقلة، لهم نبي مستقل، وهو ذلك العالم الذي قلدوه، فليس الشرع إلا ما قال به دون غيره، وبالغوا وغلوا فجعلوا قوله مقدما على قول الله ورسوله، وهل بعد هذه الفتنة والمحنة شيء من الفتن والمحن؟
فإن أنكرت هذا، فهؤلاء المقلدون على ظهر البسيطة، قد ملؤوا الأقطار الإسلامية، فاعمد إلى أهل كل مذهب، وانظر إلى مسألة من مسائل مذهبهم، هي مخالفة لكتاب الله أو لسنة رسوله، ثم أرشدهم إلى الرجوع عنها إلى ما قاله الله ورسوله، وانظر بماذا يجيبونك؟ فما أظنك تنجو من شرهم ولا تأمن من مضرتهم، وقد يستحلون لذلك دمك ومالك، وأورعهم يستحل عرضك وعقوبتك، وهذا يكفيك، إن كان لك فطرة سليمة وفكرة مستقيمة (١).
(١) قد يخطر في بالك - أخي القارئ - تساؤل: هل هذا كائن في المسلمين؟ وفيهم أهل صلاح وتقوى، وعلم وعمل!! وأقول مجيبا على هذا الاستفسار: نعم، إن التعصب - قديما وحديثا - للمذاهب والطرق، وللأشخاص والهيئات، وللجماعات والدعوات، أصله أمران: الأول: إن من طباع البشر وأخلاقهم أن لا يجتمعوا على شيء إلا إذا اعتقدوا أن فيه خيرا لهم، وقد يكون هذا الاعتقاد لبعضهم عن نظر واستدلال، أو تجربة واختبار، وللبعض الآخر عن اتباع وتقليد لمن اعتقدوا فيه الفضل والكمال!! الثاني: إن من طبعهم كذلك: أن يأخذ ما ألفوه بالرضا والتسليم، ويأنسوا به، فإذا وجدوا لهم مخالفا فيه، تعصبوا له، ووجهوا قواهم إلى استنباط ما يؤيده ويثبته، ويدفع عنه هجمات المخالفين لهم فيه، لا يلتفتون في ذلك إلى تحري الحق، واستبانة الصواب فيما تنازعوا فيه. ولولا فشو هذا الخلق في الناس، لما بقيت الأديان والمذاهب والأحزاب الشيع، والحق في كل منها واحد، لا تعدد فيه. وههنا مسألة، لا بد من التصريح بها، وإيضاحها إيضاحا لا لبس فيه: إن على العاملين =